حيدر حب الله
23
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
الناقل أن يكون فاهماً اللغة واعياً بها . وكأنّ ابن العربي تصوّر أنّ الصحابة نقلوا دائماً الألفاظ تاركين العناصر التاريخيّة الحافّة ، فجاء الناقل عنهم لينقل اللفظ بالمعنى ، وهو لا يدري بالعناصر التاريخيّة السياقيّة ، وهذا الإشكال يهدّد شرعيّة نقل الصحابي نفسه لو أراد أن ينقل بهذه الطريقة ، ولو لم يهدّد لما هدّد نقل غيره ، وفقاً للأخذ بجماع النظريّتين الأوليين السابقتين . و - التمييز بين نسيان اللفظ فيجوز ، وعدمه فيحرم ، نقد وتفنيد النظريّة السادسة : وهي التي ترى جواز النقل بالمعنى لمن نسي اللفظ ، أمّا من حفظه فلا يجوز له النقل بالمعنى ، وهو منسوب إلى الماوردي والروياني ، ورجّحه الجزائري « 1 » . والقائل بهذه النظريّة يمكن تصنيفه على الاتجاه المرخّص في النقل بالمعنى ، كما يمكن تصنيفه على الاتجاه القائل بحرمة النقل بالمعنى ، غاية الأمر أنّه جوّزه حال النسيان من باب أنّه نقل لما حفظ ، وكأنّه للضرورة ، أو للعنوان الثانوي . وعلى أيّة حال ، لم يظهر تبرير شرعي لهذه النظريّة بشكل واضح ؛ لأنّ النقل بالمعنى إذا كانت فيه مشكلة شرعيّة في نفسه فلماذا جاز عند النسيان ؟ وكان من المفترض تحريمه تماماً كتحريم نقل القرآن بالمعنى بوصفه قرآناً ، أو على الأقلّ كان يلزم عند الترخيص في حال النسيان أن يُلزَم الناقلُ بالقول : إنّ هذا ما فهمته لا أنّ هذا ما قاله النبيّ ؛ فهذا المقدار يرفع حال الاضطرار ويحقّق ضمانات الصدق والتطابق ؛ لأنّ المفروض أنّ المنع عن النقل بالمعنى عند الحفظ يساوق ذهاب القائل هنا إلى أنّ الأصل في النقل شرعاً هو اللفظ ، فمع زوال اللفظ والترخيص بالنقل بالمعنى يلزمه أن يبيّن أنّني لا أنقل ، بل أذكر ما فهمت ، فمثل هذه التفاصيل تغدو ضروريّة لمن يرى هذا القول . هذا لو قلنا بقضاء الضرورة مطلقاً للنقل بالمعنى عند النسيان ، وإلا لو كان الحديث
--> ( 1 ) انظر : الزركشي ، البحر المحيط 3 : 415 ؛ والجزائري ، توجيه النظر 2 : 381 - 382 .